بين التهريب والرسوم: اقتصاد سوريا ولبنان يعيد ترتيب أوراقه -- May 14 , 2026 16
تشهد العلاقات الاقتصادية بين سوريا ولبنان مرحلة إعادة ترتيب تدريجية، في ظل محاولات متجددة لإعادة تفعيل التعاون بين القطاع العام والخاص في البلدين، بعد سنوات من التداخل غير المنظم والتأثيرات السياسية التي انعكست على حركة التجارة والاستثمار، وبين مسار رسمي يسعى إلى إطلاق أطر مؤسسية جديدة، مثل مجلس الأعمال السوري ـ اللبناني، تبرز في المقابل قراءات متباينة حول قدرة هذه المبادرات على إحداث تغيير فعلي في الواقع الاقتصادي.
تفعيل بطيء للتعاون الاقتصادي
في هذا السياق، قال رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية مازن ديروان، إن العلاقات الاقتصادية بين سوريا ولبنان لا تزال تتأثر ببعض التجاذبات السياسية، لكنها باتت أقل حدّة مقارنة بالسنوات السابقة، مشيراً إلى وجود رغبة متبادلة لدى القطاع الخاص في البلدين لتطوير التعاون الاقتصادي على أسس عملية ومباشرة.
وأوضح ديروان في تصريح لـِ "المدن" أن الاجتماعات الاقتصادية الأخيرة لم تكن بروتوكولية فقط، بل أفضت إلى خطوات عملية، بينها الاتفاق على تشكيل لجان مشتركة لتسهيل التبادل التجاري، إضافة إلى طرح آلية تسمح للتجار والصناعيين السوريين من الدرجتين الممتازة والأولى بالدخول إلى لبنان عبر نافذة خاصة لتسهيل الحركة، لافتاً إلى أن الجانب اللبناني أبدى تجاوباً مع هذا الطرح.
ورأى أن فرص التعاون بين البلدين "واسعة وتتجاوز ملفات الصناعة والتصدير"، معتبراً أن السوق اللبنانية تستفيد من تنامي الإنتاج السوري كماً ونوعاً، فيما تستطيع الشركات اللبنانية لعب دور مهم في مجالات التسويق والخدمات والتمويل.
وفي ما يتعلق بالإطار المؤسسي لهذا التعاون، كشف ديروان أن مجلس الأعمال السوري- اللبناني جرى تأسيسه بالفعل، وأن معظم الوجوه المشاركة فيه جديدة، ومن المقرر بدء عقد الاجتماعات الشهر السادس من العام الراهن، مؤكداً حضور المجلس في اللقاءات الاقتصادية الأخيرة، في محاولة لتفعيل دور القطاع الخاص بعيداً عن الصيغ التقليدية السابقة.
الرسوم والتهريب في قلب الاختلال
وعلى الرغم من الطابع الإيجابي الذي حمله حديث الجانب الصناعي حول تحريك الملفات الاقتصادية المشتركة، إلا أن مقاربة العلاقة بين البلدين لا تبدو موحّدة بالكامل، إذ تبرز قراءات أخرى تذهب نحو تفكيك البنية الاقتصادية الأعمق للعلاقة السورية ـ اللبنانية، وما تحمله من تفاوتات تاريخية في بنية الإنتاج والتجارة.
حيث أكد نائب رئيس غرفة تجارة دمشق السابق محمد الحلاق، أن العلاقة بين سوريا ولبنان تقوم على التكامل أكثر من المنافسة، رغم الفوارق الاقتصادية بينهما.
وأوضح أن سوريا تمتلك سوقاً استهلاكية كانت تتجاوز 23 مليون نسمة قبل الحرب، إضافة إلى موارد متنوعة وجغرافيا واسعة منحت صناعتها قدرة أكبر على التوسع، مقارنة بلبنان الذي يتراوح حجم سوقه بين 3 و4 ملايين نسمة، ما يجعل اقتصاده أكثر اعتماداً على الانفتاح الخارجي وإعادة التصدير.
وأشار إلى أن الفوارق الجمركية لعبت دوراً في تنشيط التهريب، موضحاً أنه عندما تكون الرسوم متقاربة يقل التهريب، بينما تتسع السوق غير النظامية عند اتساع الفجوة، مضيفاً مثالاً: إذا كانت الرسوم على مروحة كهربائية في لبنان نحو دولار واحد مقابل 10 دولارات في سوريا، فإن ذلك يدفع لدخولها تهريباً.
وفي ما يتعلق بمجالس الأعمال السورية ـ اللبنانية، رأى الحلاق أن التجارب السابقة اعتمدت بدرجة كبيرة على نفوذ الأشخاص أكثر من اعتمادها على مؤسسات مستقرة، داعياً إلى تحويلها إلى مجالس "محوكمة" وواسعة التمثيل تضم رجال الأعمال الفاعلين فعلياً.
وأوضح أن دور هذه المجالس يجب أن يتجاوز الطابع الشكلي ليصبح منصة فعلية لنقل مشكلات التجار والصناعيين إلى الحكومات والعمل على تذليل العقبات المرتبطة بالاستيراد والتصدير والنقل والرسوم الجمركية.
وأضاف أن نجاح هذه المجالس مرتبط بقدرتها على التواصل المباشر مع أصحاب القرار، لأن غياب الاستجابة السريعة يفقد رجال الأعمال الحافز، بينما يساهم التجاوب في تعزيز الثقة وتحسين العلاقات الاقتصادية.
مجالس أعمال بفاعلية محدودة
وإذا كان هذا الطرح يعكس رؤية تقوم على التكامل وإمكانات إعادة تنظيم العلاقة الاقتصادية بين البلدين، فإن مقاربات أخرى أكثر حذراً تنظر إلى التجربة من زاوية نقدية، معتبرة أن التحدي لا يقتصر على الفجوات الاقتصادية بين البلدين، بل يمتد إلى طبيعة الأدوات المؤسسية المطروحة لإدارة هذا التعاون، وفي مقدمتها مجالس الأعمال المشتركة.
وفي المقابل، شكّك الخبير الاقتصادي الدكتور عمار اليوسف في جدوى مجالس الأعمال ، معتبراً أن التجارب السابقة لم تحقق نتائج ملموسة وبقيت في معظمها ضمن الإطار الشكلي، بسبب غياب الصلاحيات التنفيذية وضعف القدرة على التأثير في الملفات الاقتصادية الأساسية.
وقال إن هذه المجالس اعتمدت في كثير من الأحيان على شخصيات محدودة وواجهات تقليدية، ما جعلها غير قادرة على تمثيل القطاع الخاص الحقيقي أو الدفع باتجاه إصلاحات جدية في ملفات الرسوم الجمركية وكلف النقل والإجراءات التجارية.
ورأى أن غياب الحوكمة وآليات العمل المؤسسي أدى إلى تكرار التجارب نفسها دون نتائج تُذكر، محذراً من أن استمرار هذا النهج سيجعل أي تجربة جديدة امتداداً لما سبقها ما لم يحدث تغيير جذري في آليات التمثيل واتخاذ القرار.
وختم بأن الرهان على هذه المجالس يبقى محدوداً ما لم تتحول إلى أدوات ضغط فعلية قادرة على التأثير في السياسات الاقتصادية، بدلاً من الاكتفاء بالدور الاستشاري أو البروتوكولي.
التبادل التجاري بين البلدين
وفي سياق متصل، ورغم غياب بيانات دقيقة وشاملة تعكس الحجم الكامل للعلاقات الاقتصادية بين سوريا ولبنان، تشير تقديرات صادرة عن اتحاد الغرف السورية إلى أن حجم التبادل التجاري الرسمي بين البلدين تجاوز نحو 230 مليون دولار خلال عام 2024، توزّع بين واردات لبنانية من سوريا بقيمة تقارب 133 مليون دولار، وصادرات لبنانية إلى السوق السورية تتجاوز 100 مليون دولار. إلا أن هذه الأرقام تبقى، بحسب عاملين في القطاع الخاص، أقل من الحجم الفعلي للتبادل، نتيجة استمرار جزء مهم من الحركة التجارية عبر قنوات غير رسمية وعمليات تهريب عبر الحدود، ما يخلق فجوة بين الاقتصاد المعلن والاقتصاد الفعلي.
وتشمل أبرز السلع المتبادلة بين البلدين مجموعة واسعة من المنتجات الغذائية والصناعية؛ إذ تصدّر سوريا إلى لبنان الخضار والفواكه والحمضيات، إضافة إلى الزيوت النباتية والمنتجات الغذائية المصنعة، وبعض المواد البلاستيكية والزجاجية، فضلاً عن الألبسة والمنتجات الزراعية الموسمية.
في المقابل، يصدّر لبنان إلى سوريا سلعاً تشمل الآلات والمعدات الصناعية، والمنتجات الكهربائية، وبعض المواد الغذائية مثل الحبوب والزيوت النباتية، إلى جانب مستلزمات التعبئة والتغليف والمواد البلاستيكية، فضلاً عن خدمات تجارية مرتبطة بالوكالات وإعادة التصدير التي تشكل أحد أوجه النشاط الاقتصادي اللبناني في المنطقة.
ويشير عاملون في القطاع التجاري إلى أن هذا التبادل، بالرغم من تنوعه، لا يزال يتأثر بعوامل تتعلق بالفوارق في الرسوم الجمركية وكلف النقل والإجراءات التنظيمية، وهذا ما يدفع جزءاً من الحركة التجارية إلى العمل عبر قنوات غير نظامية في بعض الحالات.
نور ملحم - المدن